العيني
247
عمدة القاري
سَلمَةَ ، رضي الله عنها . أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : إنَّما أنا بَشَرٌ ، وإنكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، ولَعَّلَ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فأقْضِي نَحَوَ ما أسْمَعُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ بِحَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأخُذْهُ ، فإنّما أقْطَعُ لهُ قِطْعةً مِنَ النَّار . مطابقته للترجمة ظاهرة . وهشام يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، واسم أم سلمة هند المخزومية أم المؤمنين . والحديث قد مضى في المظالم وفي أوائل كتاب الحيل ومضى الكلام فيه . قوله : إنما أنا بشر على معنى الإقرار على نفسه بصفة البشرية من أنه لا يعلم من الغيب إلاَّ ما علمه الله منه . قوله : إنكم تختصمون إليّ يريد والله أعلم وأنا لا أعرف المحق منكم من المبطل حتى يميز المحق منكم من المبطل فلا يأخذ المبطل ما أعطيه . قوله : ألحن بحجته يعني : أفطن لها وأجدل . وقال ابن حبيب : أنطق وأقوى مأخوذ من قوله تعالى : * ( وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) * أي : في بطن القول . وقيل : معناه أن يكون أحدهما أعلم بمواقع الحجج وأهدى لإيرادها ولا يخلطها بغيرها . وقال أبو عبيد : اللحن بفتح الحاء النطق ، وبالإسكان الخطأ في القول ، وذكر ابن سيده : لحن الرجل لحناً تكلم بلغته ، ولحن له يلحن لحناً ، قال له قولاً يفهمه عنه ويخفى على غيره ، وألحنه القول أفهمه إياه ، ولحنه لحناً فهمه ، ورجل لحن عالم بعواقب الكلام ظريف ، ولحن لحناً فطن لحجته وانتبه لها ، ولاحن الناس فألحنهم . قوله : فأقضي نحو ما أسمع فيه أن الحاكم مأمور بأن يقضي بما يقر به الخصم عنده . قوله : فمن قضيت له خطاب للمقضي له ، لأنه يعلم من نفسه هل هو محق أو مبطل . 21 ( ( باب الشَّهادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الحاكِمِ في وِلايَتِهِ القَضاءَ أوْ قَبْلَ ذالِكَ لِلْخَصْمِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الشهادة التي تكون عند الحاكم يعني : إذا كان الحاكم شاهداً للخصم الذي هو أحد المتحاكمين عنده سواء تحملها قبل توليته للقضاء أو في زمان التولي هل له أن يحكم بها ؟ اختلفوا في أن له ذلك أم لا ، فلذلك لم يجزم بالجواب لقوة الخلاف في المسألة . وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها ، وبيان الخلاف فيه يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . وفي التوضيح ترجمة البخاري فيها دليل على أن الحاكم إنما يشهد عند غيره بما تقدم عنده من شهادة في ولايته أو قبلها وهو قول مالك وأكثر أصحابه ، وقال بعض أصحابنا يعني من الشافعية : يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في مجلسه . وقال شُرَيحٌ القاضِي ، وسَألَهُ إنْسانٌ الشَّهادَةَ فقال : ائْتِ الأمِيرَ حتَّى أشْهَدَ لَكَ . هذا وصله عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن شبرمة ، قال : قلت للشعبي : يا أبا عمرو : أرأيت رجلين استشهدا على شهادة فمات أحدهما واستقضي الآخر ؟ فقال : أتي شريح فيها ، وأنا جالس . فقال : ائت الأمير وأنا أشهد لك . قوله : ائت الأمير ، أي السلطان أو من هو فوقه . وقال عِكْرِمَةُ : قال عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ : لَوْ رَأيْتَ رَجُلاً عَلى حَدَ زِنًى أوْ سَرِقَةٍ وأنْتَ أمِيرٌ ، فقال : شَهَادَتُكَ شَهادَةُ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ . قال : صَدَقْتَ . قال عُمَرُ : لَوْلا أنْ يَقُولَ النَّاسُ زادَ عُمَرُ في كِتابِ الله لَكَتَبْتُ آيةَ الرَّجْمِ بِيَدِيِ . مولى ابن عباس . قال عمر أي : ابن الخطاب إلى آخره . وأخرجه ابن أبي شيبة عن شريك عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة بلفظ : أرأيت لو كنت القاضي والوالي وأبصرت إنساناً أكنت مقيمه عليه ؟ قال : لا ، حتى يشهد معي غيري . قال : أصبت ، لو قلت غير ذلك لم تجد ، بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الدال من الإجادة . وهذا السند منقطع لأن عكرمة لم يدرك عبد الرحمان فضلاً عن عمر ، رضي الله تعالى عنه . قوله : قال عمر : لولا أن يقول الناس . . . إلى آخره ، قال